محمد ابراهيم شادي

34

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

المبحث الرابع البحث عن التميز عند عبد القاهر عندما نتناول فكر عبد القاهر نجدنا وكأننا نتناول قضية الإعجاز لأول مرة ولكنا لا نعدم ومضات من أفكار الآخرين بين حين وآخر ، ولا شك أن عبد القاهر اطلع على ما كتبه الرماني والخطابي والجاحظ والباقلاني عن الإعجاز ، لكن عبد القاهر لم يكن ذلك العالم الذي يحصر نفسه في أفكار الآخرين أو يضع مصنفاتهم أمام عينيه لينتقى ، وإنما كان يقرأ ويتمثل ويطرح ما قرأه ثم يجلس ليقدم طرحا جديدا يخصه وينسب لعبقريته الفذة . ويبدو من مقدمة عبد القاهر في كتابه " دلائل الإعجاز " أن البحث عن التميز كان هو الهدف الذي وضعه نصب عينيه للوصول إلى الإعجاز ، فطريق الوصول إلى تلك الغاية هو البحث عما يتميز به نظم القرآن عن الوجوه المعروفة في نظم الكلام العربي ، لقد أبان عبد القاهر أن للنظم عند العرب وجوها من التعلق بين الاسم والاسم أو بين الاسم والفعل أو تعلق الحرف بهما معا . . على أن هذه الوجوه لا تتبدل ولا تختلف من كلام إلى آخر أي أنها رسوم تحكم تراكيب كل كلام فصيح فوقوع الاسم خبر لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالا يصاحبه أو فاعلا أو مفعولا نجده في النثر وفي الشعر وفي القرآن فما الذي تجدد « 1 » بالقرآن من عظيم المزية وباهر الفضل والعجيب من الرصف حتى أعجز الخلق قاطبة ؟ . كان عبد القاهر يطرح هذا السؤال على لسان محاور يفترض وجوده وهو يجادله للوصول إلى الحقيقة ، ومع أن خصوم هذا الدين كثر إلا أن خصم عبد القاهر في هذا الموقف كان من داخله ، هو ذلك القلق الفكري الذي يساوره ، والشاغل العقلي الذي يناوشه ، فيطرح من نفسه أسئلة للوصول إلى الحقيقة ، وهذا النوع من الأسئلة هو الذي يفتح أبواب العلم والمعرفة . إذا كان النظم هو العلاقات بين كلمات الجملة والجمل ، وإذا كانت هناك وجوه للعلاقات معروفة في كل كلام مفهم تعتمد أساسا على رسوم النحو ومواقع

--> ( 1 ) راجع دلائل الإعجاز من ص 4 إلى 9 تحقيق محمود شاكر .